Monday, July 09, 2007

جدتي .. زهرة القرنفل





زارتني الليلة بالمنام فاستيقظت مبتهجة . كانت سعيدة جداً و تبتسم ابتسامتها الجميلة , و كنت أنهال عليها تقبيلاً . كنت أظن أنه ربما غضب من الله عليَ أنها لم تأتني في المنام منذ فترة طويلة ؛ شهوراً أو ربما سنوات .
ما زلت أذكر كل تفاصيلها و أفتقدها بالقدر ذاته رغم مُضِي أكثر من عشر سنوات علي رحيلها إثر حادث سيارة كنت و أمي و أختي معها فيها .
كان يوم 25/7/1995 و كنَا نحزم أمتعتنا استعداداً للسفر إلي الساحل الشمالي . تسللت إليها في شقتها التي تقع فوق شقتنا فوجدتها تبكي و تقول لزوج خالتي : "وحشني قوي .. نفسي أشوفه. " فهمت أن هذا الكلام عن جدي الذي توفي بضعة أعوام قبل ذلك . شعرت بوخز في قلبي و علمت أن شيئاً ليس علي ما يُرام . لم أرها قبل ذلك اليوم تبكي و حزينة ؛ فهي زهرة القرنفل التي تفوح بهجة و رِقة .
انطلقنا إلي الساحل و كانت أمي تقود السيارة . ظلت جدتي – أنَه- تُسَبِح طوال الطريق و لا تجيب بأكثر من ابتسامة علينا . في الطريق انفجر إطار السيارة و انقلبت و دارت بنا في الهواء عدة مرات استقرت بعدها علي الأرض . و حتي ذلك لم أكن أدرك ماذا يحدث . كنت علي يقين أن الحوادث التي نسمع عن وقوعها لا يمكن أن تحدث لنا , و إن حدثت فلا يمكن أن يصيبنا مكروه . صرخت أمي علينا في المقعد الخلفي : " انتو كويسين؟" طمأناها فوراً : " أيوة يا ماما ." أما ’ أنَه ‘ فلم تكن كذلك .
جاء رجال و أخرجونا من السيارة بصعوبة و طلبوا الإسعاف . رأيتها تُتمتم بأشياء لم أسمعها و أخبرتها و أنا جالسة إلي جوارها علي الأرض حيث كانت ترقد مغمضة العينين أنها سوف تكون بخير و لا يجب أن يحدث لها مكروه .
ذهبنا معها في سيارة الإسعاف إلي أقرب وحدة صحية . قرأت أمي في مصحفها الصغير سورة يس , بينما جلستُ أنا أتأملها و أتأمل قطرات دمها التي تهطل علي حذائي و التي لم أقوي علي إزالتها بعد ذلك .
هناك في الوحدة الصحية انتظرنا و جاء ابن خالي الذي كان في سيارة تسبقنا بعدة كيلومترات علي الطريق . كان شاحباً , لم يقل سوي :" ماتت؟!" لم يجبه أحد فتطوعت أنا :" لأ .. هما بيعملولها حاجات علشان ترجع معانا ."
و هذا ما كنت أظنه آنذاك .

عدنا إلي منزلنا بالقاهرة ففوجئت بأقارب كثيرين في ثياب سوداء ينحبون . كان منهم من يحاول أن يرغمني و أختي أن نتناول الطعام و أن نخلد للنوم , لكننا أبَيْنا . الله أعلم كيف مر علينا هذا اليوم .
كنت أبحث عنها و أسأل أمي :" هي أنَه فين ؟" أثناء العزاء . في ذلك السن كنت أعلم أن هناك شبح يسمي الموت و لكني لم أكن أعلم أن بإمكانه أن يُدرك من أُحبهم .


’أنَه‘ كانت مميزة في كل شئ . كانت جميلة الوجه , رقيقة , مَرِحَة . كانت لها رائحة مميزة جداً , لذلك كنت أحب أن أغفو بين أحضانها حتي أتشبع من تلك الرائحة . كان أكثر ما يميزها أنها طاهية ماهرة ؛ كل طعام تصنعه بيديها له طعم خاص .
أحياناً يقولون لي أنني أشبهها بعض الشئ شكلاً و طباعاً مما يجعلني أشعر بفخرٍ كبير .
لا زلت أحتفظ بالأشياء التي كانت تصنعها أو تهديها لي و كل الذكريات مطبوعة داخلي بتفاصيلها .
’أنَه‘ منقوشة علي جدار قلبي .

وحشتيني قوي يا ’أنَه‘!

6 comments:

محمود عزت said...

الله !
العنوان يا فندم جميل جدا
و إنت فنان :))

محمد ثروت الجابري said...

وقت تَذّكُر الجِدات

sabrina said...

أنا أيضا أعشق جدتي
i`m her precious !
أعتقد أن الأشخاص اللي
نموا في حضن الجده مختلفين تماما عن الأشخاص
الذين لم يعرفوا جدتهن وينهالو ا من عسلهن
!!!!!!

شيرينِ said...

بصراحه بأستمتع جدا عندك بعديدا عن المدونات الخانقه اللي مليئه بالسياسه اللعينه

كنت دائما انظر الي جده زوجي ومدي حبها له ومدي ارتباطهم ببعض وأتذكر اني لم تكن لي جده
كم هو بحر عميق للاسف لم انزل لاسبح فيه ولكني أكتفيت بالنظر اليه باعجاب

سطورك حركت في مشاعر كثيرا ما اتحدث بها مع زوجي

مبدعه جداجدا

Nour said...

يا حبيبتي
:)))

fanan fa2eer said...

الله يرحمهما ويحسن اليها هي وأموات المسلمين أجمعين
آمين يارب